التسويق المستدام: مفهومه وأهميته وكيف تطبقه الشركات

التسويق المستدام: مفهومه وأهميته وكيف تطبقه الشركات

التسويق المستدام: مفهومه وأهميته وكيف تطبقه الشركات

لم يعد الحديث عن الاستدامة مقتصرًا على حماية البيئة أو تقليل النفايات، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالطريقة التي تنتج بها الشركات منتجاتها، وتقدم خدماتها، وتتواصل مع المستهلكين.

وفي هذا السياق ظهر التسويق المستدام (Sustainable Marketing) كأحد المجالات التي تطورت مع تزايد الاهتمام العالمي بالاستدامة وتغير أنماط الاستهلاك.

وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن أبحاث التسويق المرتبطة بالاستدامة تمتد لعدة عقود، لكنها تطورت مع الوقت من التركيز الضيق على التسويق الأخضر والحفاظ على الموارد إلى نطاق أوسع يتناول دور التسويق في دعم الاستدامة والتعامل مع التحديات البيئية والاجتماعية المرتبطة بالاستهلاك.

ما هو التسويق المستدام؟

يمكن فهم التسويق المستدام باعتباره توجهًا في التسويق يضع الاستدامة ضمن طريقة تطوير المنتجات والخدمات والتواصل بشأنها، بدلًا من التعامل معها باعتبارها مجرد رسالة إعلانية.

وهذا يعني أن الاستدامة لا تبدأ عند كتابة الإعلان، وإنما ترتبط بالمنتج نفسه، وطريقة إنتاجه، والموارد المستخدمة، وطريقة تقديم المعلومات عنه، وتأثيره خلال مراحل دورة حياته.

وتوضح أبحاث حديثة في مجال التسويق أن مفهوم التسويق المستدام أصبح أوسع من مفهوم التسويق الأخضر التقليدي، بعدما اتسع نطاق الأبحاث والممارسات المتعلقة به ليشمل موضوعات متعددة مرتبطة بالاستدامة.

لذلك، فإن استخدام عبارة مثل “منتج مستدام” في إعلان لا يجعل التسويق مستدامًا بمفرده؛ فالرسالة التسويقية يجب أن تعكس ممارسات حقيقية يمكن دعمها بالمعلومات والأدلة.

لماذا أصبح التسويق المستدام مهمًا؟

يرتبط التسويق المستدام بتحول أوسع في أنماط الإنتاج والاستهلاك على المستوى العالمي.

فالأمم المتحدة تضع الاستهلاك والإنتاج المسؤولين ضمن الهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة، وتركز على الحاجة إلى التحول نحو أنماط استهلاك وإنتاج أكثر استدامة، بما يساعد على تقليل الضغط على الموارد وتحسين كفاءة استخدامها. وفي الوقت نفسه، تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إلى أن سلوك المستهلك يمكن أن يكون له دور مهم في تحقيق أهداف الاستدامة، وأن السياسات التي تساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات أكثر استدامة تحتاج إلى فهم العوامل الاقتصادية والسلوكية التي تؤثر في اختياراتهم.

وهنا يظهر دور التسويق؛ لأنه لا يقتصر على بيع المنتج، بل يساهم في تقديم المعلومات التي تساعد المستهلك على فهم الخيارات المتاحة أمامه.

ما الفرق بين التسويق المستدام والتسويق الأخضر؟

يحدث أحيانًا خلط بين التسويق المستدام Sustainable Marketing والتسويق الأخضر Green Marketing، رغم أن المفهومين ليسا متطابقين.

التسويق الأخضر يرتبط بصورة أساسية بالجوانب البيئية للمنتجات والخدمات، مثل استخدام مواد أقل تأثيرًا على البيئة أو تقديم ادعاءات تتعلق بإعادة التدوير أو تقليل استخدام الموارد.

أما التسويق المستدام، فقد تطور ليكون مفهومًا أوسع من التركيز البيئي وحده. وتشير المراجعات الأكاديمية الحديثة إلى أن نطاق التسويق المستدام أصبح يشمل مجموعة أوسع من القضايا المرتبطة بالاستدامة، بدلًا من الاقتصار على التسويق الأخضر والحفاظ على الموارد.

لذلك يمكن النظر إلى التسويق الأخضر باعتباره جزءًا من المجال الأوسع للتسويق المستدام، وليس مرادفًا له في كل الحالات.

ما علاقة دورة حياة المنتج بالتسويق المستدام؟

أحد الجوانب المهمة في التفكير المستدام هو عدم النظر إلى المنتج عند لحظة الشراء فقط. يوضح برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP أن المعلومات المتعلقة باستدامة المنتجات يمكن أن تعتمد على منهج دورة الحياة (Life Cycle Approach)، الذي ينظر إلى التأثيرات المرتبطة بالمنتج عبر مراحل مختلفة، من استخراج الموارد والإنتاج إلى الاستخدام ونهاية عمر المنتج.

وهذا مهم تسويقيًا؛ لأن وصف منتج بأنه “مستدام” بناءً على خاصية واحدة فقط قد يعطي صورة ناقصة عن تأثيره الكلي.

فعلى سبيل المثال، قد تكون مادة معينة قابلة لإعادة التدوير، لكن ذلك وحده لا يعني أن المنتج بالكامل يحقق تأثيرًا بيئيًا أفضل في جميع مراحل دورة حياته.

ولهذا يحتاج التسويق المستدام إلى معلومات أكثر دقة بدلًا من الاعتماد على وصف عام.

أهم عناصر التسويق المستدام

1. منتج أو خدمة ذات قيمة حقيقية : لا يمكن بناء تسويق مستدام على الرسائل الإعلانية وحدها. يجب أن تكون هناك ممارسات أو خصائص حقيقية يمكن للشركة توضيحها للمستهلك. ويمكن أن ترتبط هذه الممارسات بطريقة استخدام الموارد، أو تصميم المنتج، أو التغليف، أو دورة حياة المنتج، بحسب طبيعة النشاط.

الفكرة الأساسية هنا هي أن التسويق يشرح القيمة الموجودة بالفعل، وليس أن يصنع ادعاءً غير موجود.

2. معلومات واضحة وقابلة للتحقق : يؤكد برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن معلومات الاستدامة الموجهة للمستهلك يجب أن تكون موثوقة وملائمة وواضحة وشفافة ومتاحة، وأن تستند إلى علم موثوق، حتى تساعد المستهلك على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.

وهذا يجعل طريقة صياغة الرسالة التسويقية مهمة جدًا.

فبدلًا من استخدام عبارة عامة مثل:

“منتج صديق للبيئة.”

من الأفضل تقديم معلومة محددة يمكن فهمها والتحقق منها، إذا كانت الشركة تمتلك بالفعل الأدلة التي تثبتها.

3. فهم سلوك المستهلك : لا يتخذ جميع المستهلكين قراراتهم بالطريقة نفسها.

وتوضح دراسة حديثة لـOECD، اعتمدت على بيانات من 37 ألف مستهلك في 40 دولة، أن عوامل مثل الثقة في الادعاءات المتعلقة بالاستدامة، والقدرة على تحمل السعر، ووضوح المعلومات، وفهم المستهلك لمعنى الادعاء، كلها ترتبط بكيفية تفاعل المستهلكين مع هذه الادعاءات.

وهذا يعني أن مجرد إضافة كلمة “مستدام” إلى المنتج لا تكفي بالضرورة لإقناع المستهلك؛ فوضوح المعلومة والثقة فيها عنصران مهمان.

ما هو الـGreenwashing ولماذا يمثل مشكلة؟

من أكثر القضايا المرتبطة بالتسويق المستدام الـGreenwashing، ويُستخدم المصطلح للإشارة إلى الادعاءات البيئية المضللة أو غير المدعومة بما يكفي من الأدلة.

وتشير OECD إلى أن الاهتمام بمشكلة الادعاءات البيئية المضللة أو غير المثبتة ازداد مع زيادة اهتمام المستهلكين بالمنتجات ذات الخصائص البيئية، وأصبحت مكافحة هذه الممارسات جزءًا من جهود حماية المستهلك في عدد من الدول.

كما توضح لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية FTC أن المسوقين لا ينبغي أن يستخدموا ادعاءات بيئية عامة وغير محددة مثل “Green” أو “Eco-friendly” دون أساس مناسب، لأن مثل هذه الادعاءات قد توحي للمستهلك بفوائد بيئية واسعة يصعب إثباتها.

لذلك، كلما كان الادعاء البيئي أكثر تحديدًا، أصبح من المهم أن يكون لدى الشركة دليل مناسب يدعمه.

كيف تتجنب الشركات الـGreenwashing في التسويق؟

يمكن للشركات تقليل مخاطر الادعاءات المضللة من خلال عدة ممارسات أساسية.

أولًا، يجب أن يكون الادعاء محددًا بدلًا من استخدام عبارات عامة وواسعة.

ثانيًا، يجب أن تمتلك الشركة أدلة مناسبة تدعم الادعاء الذي تقدمه.

ثالثًا، يجب توضيح أي قيود أو شروط مهمة مرتبطة بالادعاء بدلًا من ترك المستهلك يستنتج فوائد أوسع مما تثبته البيانات.

وتوضح إرشادات FTC مثلًا أن الادعاءات المتعلقة بإمكانية إعادة التدوير أو استخدام مواد متجددة تحتاج إلى صياغة مناسبة عندما تكون هناك قيود على هذه الخصائص أو على إمكانية استفادة المستهلك منها.

كيف تطبق الشركات استراتيجية التسويق المستدام؟

لا توجد طريقة واحدة لتطبيق التسويق المستدام تناسب جميع الشركات، لأن طبيعة التأثيرات والمنتجات تختلف من صناعة إلى أخرى.

لكن يمكن أن تبدأ الشركة من فهم دورة حياة المنتج وتحديد الجوانب المرتبطة بالاستدامة في عملياتها، ثم تحديد المعلومات التي يمكن إثباتها وتقديمها للمستهلك بوضوح.

بعد ذلك يأتي دور التسويق في تحويل هذه المعلومات إلى رسائل مفهومة، دون مبالغة أو تعميم.

وهنا يصبح التعاون بين التسويق وباقي أقسام الشركة مهمًا؛ لأن فريق التسويق لا يستطيع وحده أن يجعل منتجًا مستدامًا إذا لم تكن الممارسات الفعلية داخل الشركة تدعم ذلك.

هل التسويق المستدام مجرد اتجاه مؤقت؟

تشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن التسويق المرتبط بالاستدامة ليس موضوعًا جديدًا، بل يمتد البحث فيه لعدة عقود، مع توسع واضح في نطاقه خلال السنوات الأخيرة. وتوضح مراجعة أكاديمية شملت مئات الدراسات المنشورة في مجال التسويق والاستدامة أن هذا المجال أصبح موضوعًا بحثيًا واسعًا ومتعدد الجوانب.

كما أن ارتباط الاستدامة بالهدف الثاني عشر من أهداف التنمية المستدامة يعكس كون الاستهلاك والإنتاج المستدامين جزءًا من أجندة التنمية الدولية، وليس مجرد توجه إعلاني عابر.

لذلك، من الأدق النظر إلى التسويق المستدام باعتباره تطورًا في طريقة تفكير الشركات في القيمة التي تقدمها، والمعلومات التي تشاركها مع المستهلك، وتأثير منتجاتها وخدماتها.

التسويق المستدام يبدأ من الممارسة قبل الإعلان

التسويق المستدام لا يعني أن تستخدم العلامة التجارية كلمات مثل “أخضر” أو “صديق للبيئة” في إعلاناتها.

المفهوم أوسع من ذلك.

هو أن تكون لدى الشركة ممارسات حقيقية مرتبطة بالاستدامة، وأن تمتلك معلومات يمكن دعمها بالأدلة، ثم تستخدم التسويق لتوصيل هذه المعلومات للمستهلك بطريقة واضحة وشفافة.

ومع زيادة اهتمام المستهلكين بادعاءات الاستدامة، تصبح الثقة والوضوح وقابلية التحقق عناصر أساسية في التواصل التسويقي.

وفي النهاية، يمكن تلخيص الفكرة في جملة واحدة:

التسويق المستدام لا يتعلق بأن تبدو العلامة التجارية أكثر استدامة، بل بأن يكون لديها ما يمكن إثباته ثم تتحدث عنه بصدق.

شارك هذا الموضوع

إرسال التعليق