المسؤولية في العمل ليست منصبًا.. ماذا نتعلم من قصة الأستاذة صالحة؟

المسؤولية في العمل ليست منصبًا.. ماذا نتعلم من قصة الأستاذة صالحة؟

المسؤولية في العمل ليست منصبًا.. ماذا نتعلم من قصة الأستاذة صالحة؟

أحيانًا تختصر لنا بعض المواقف معنى المسؤولية أكثر مما تفعل عشرات الكتب والدورات التدريبية. وهذا ما تكشفه قصة الأستاذة صالحة عبد الفضيل، مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير في القليوبية، التي أثارت تفاعلًا واسعًا بعد موقفها من المشكلات التي واجهت المدرسة قبل بداية الدراسة.

فبحسب ما نُشر عن الواقعة، واجهت المدرسة مشكلات تتعلق بالمياه والكهرباء والصرف، ومع عدم حلها في الوقت المناسب بعد التواصل مع الجهات المسؤولة، قررت صالحة أن تتحرك بنفسها، وتتحمل تكلفة بعض الإصلاحات والتجهيزات حتى تكون المدرسة مستعدة لاستقبال الطلاب.

قد تبدو القصة في ظاهرها موقفًا إنسانيًا من مديرة تجاه مدرستها، لكنها في الحقيقة تطرح سؤالًا أكبر بكثير:

ماذا يعني أن تكون مسؤولًا فعلًا؟

المسؤولية في العمل.. عندما يتحول المنصب إلى موقف

هناك فرق كبير بين أن تحمل منصبًا إداريًا، وبين أن تتحمل مسؤولية حقيقية.

المنصب يمنح صاحبه صلاحيات ومهامًا محددة، لكن المسؤولية في العمل تظهر عندما يتجاوز الإنسان مجرد تنفيذ المطلوب منه إلى الاهتمام بالنتيجة النهائية.

فالمدير المسؤول لا يسأل فقط: “ما المطلوب مني؟”

بل يسأل أيضًا: “ما الذي يحتاجه المكان حتى يعمل بصورة أفضل؟”

وهنا تحديدًا تكمن قيمة المبادرة.

ففي قصة صالحة، لم تكن المشكلة مجرد أعطال في مبنى، وإنما كانت مشكلة يمكن أن تؤثر بصورة مباشرة في الطلاب والعاملين وسير العملية التعليمية.

وبدلًا من التعامل معها باعتبارها مشكلة تنتظر دورها في الإجراءات، تعاملت معها باعتبارها مشكلة تحتاج إلى حل.

وهذا أحد أهم مبادئ القيادة الحقيقية:

أن ترى أثر المشكلة، لا أن ترى حدود مسؤوليتك فقط.

هل المسؤولية تعني أن تفعل كل شيء بنفسك؟

هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة.

المبادرة لا تعني أن يتحمل المدير أو الموظف كل أعباء المؤسسة من ماله الخاص، ولا أن تصبح الجهود الفردية بديلًا عن الإدارة السليمة والموارد والخطط الواضحة.

وهذا ليس الدرس الذي ينبغي أن نخرج به من قصة صالحة.

الدرس الحقيقي هو روح المبادرة.

أن ترى المشكلة.

أن تبلغ عنها.

أن تتابعها.

أن تبحث عن الحلول المتاحة.

وأن تظل مهتمًا بالنتيجة بدل أن تعتبر أن مهمتك انتهت بمجرد إرسال طلب أو إخطار المسؤول المختص.

أما على مستوى المؤسسة، فالمطلوب هو تحويل هذه المبادرة الفردية إلى نظام عمل.

فالمؤسسة القوية لا تعتمد على وجود شخص واحد ينقذ الموقف كل مرة، وإنما تبني آليات تجعل اكتشاف المشكلات والتعامل معها ومتابعتها مسؤولية واضحة ومشتركة.

بين “هذا ليس اختصاصي” و”ماذا أستطيع أن أفعل؟”

من أكثر العبارات التي يمكن أن تعطل العمل داخل أي مؤسسة:

“هذا ليس من اختصاصي.”

وفي الحقيقة، قد تكون العبارة صحيحة من الناحية الإدارية.

فليس مطلوبًا من الموظف أن يتجاوز صلاحياته أو يتخذ قرارات ليست من اختصاصه.

لكن هناك فرقًا بين احترام حدود الصلاحيات وبين التخلي عن المسؤولية.

الشخص المبادر قد يقول:

“هذه المشكلة ليست من اختصاصي، لكن من المسؤول عنها؟ وكيف يمكنني إيصالها إليه؟ وهل أستطيع المساعدة في الوصول إلى حل؟”

هذا التفكير يصنع فارقًا كبيرًا في بيئة العمل.

لأن المؤسسة لا تحتاج فقط إلى أشخاص ينفذون المهام، وإنما تحتاج أيضًا إلى أشخاص يرون الصورة الأكبر ويهتمون بما يحدث بعد انتهاء مهمتهم المباشرة.

لماذا تحتاج المؤسسات إلى ثقافة المسؤولية؟

قد تمتلك المؤسسة موظفين أكفاء، وخططًا جيدة، وأنظمة واضحة، ومع ذلك تواجه مشكلات متكررة.

والسبب في بعض الأحيان لا يكون نقص الكفاءة، وإنما ثقافة العمل نفسها.

إذا كان الموظف يخشى تحمل أي مبادرة، أو يعتقد أن أفضل طريقة لحماية نفسه هي ألا يفعل شيئًا خارج النص الحرفي للتعليمات، فستتحول المؤسسة تدريجيًا إلى مكان ينتظر فيه الجميع أن يتحرك شخص آخر.

أما عندما يشعر الموظف بأن اقتراح الحلول والإبلاغ عن المشكلات والمبادرة أمور مقدّرة، فإن بيئة العمل تصبح أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات قبل تفاقمها.

ولهذا، فإن بناء ثقافة المسؤولية لا يبدأ فقط من الموظفين.

بل يبدأ من الإدارة.

كيف تبني الإدارة بيئة تشجع على المسؤولية؟

هناك مجموعة من الممارسات التي يمكن أن تساعد المؤسسات على تحويل المسؤولية من شعار إلى سلوك يومي:

1. الاستماع إلى من يعملون في الميدان : الموظف الذي يتعامل يوميًا مع العملاء أو الطلاب أو المرضى أو العمليات التشغيلية يرى مشكلات قد لا تظهر في التقارير الإدارية. لذلك، فإن الاستماع إليه ليس مجاملة، بل مصدر مهم للمعلومات.

2. وضوح الصلاحيات : المبادرة تحتاج إلى حدود واضحة. كلما عرف الموظف ما يستطيع اتخاذه من قرارات، ومتى يحتاج إلى الرجوع للإدارة، أصبح أكثر قدرة على التحرك دون خوف أو ارتباك.

3. تقدير المبادرة : إذا كانت المؤسسة تطلب من الموظفين أن يكونوا مبادرين، ثم تعاقبهم أو تتجاهل جهودهم عندما يحاولون حل المشكلات، فمن الطبيعي أن تتراجع المبادرة. السلوك الذي تكافئه المؤسسة هو السلوك الذي ستراه يتكرر.

4. تحويل المشكلات إلى دروس : بعد حل أي مشكلة، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: “كيف انتهت المشكلة؟”

بل: “لماذا حدثت أصلًا؟ وكيف نمنع تكرارها؟”

وهنا تنتقل المؤسسة من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر والتحسين المستمر.

5. عدم ربط القيادة بالمسميات الوظيفية فقط

ليس كل مدير قائدًا بالضرورة، وليس كل قائد يشغل منصبًا إداريًا.

فالقيادة تظهر في القدرة على التأثير، واتخاذ المبادرة، وتحمل المسؤولية، وتحريك الآخرين نحو الحل.

القيادة الحقيقية تظهر وقت المشكلة

من السهل أن نتحدث عن القيادة في الأوقات الطبيعية.

لكن الاختبار الحقيقي لأي قائد يبدأ عندما تظهر مشكلة غير متوقعة.

هل يبحث عن شخص يلومه؟

هل ينتظر التعليمات؟

هل يكتفي بإبلاغ المشكلة؟

أم يبدأ في التفكير:

ما الذي يمكن فعله الآن؟

القائد الحقيقي لا يعني أنه يمتلك إجابة لكل سؤال، لكنه يعرف كيف يتعامل مع المشكلة، ومن يحتاج إلى إشراكه، وكيف يتابع الحل حتى النهاية.

وهذه هي الاستباقية التي تحتاج إليها المؤسسات الحديثة.

فبدلًا من انتظار الأزمة، يحاول القائد اكتشاف إشاراتها مبكرًا.

وبدلًا من البحث عن المخطئ، يبحث أولًا عن الحل.

وبدلًا من معالجة النتيجة فقط، يسأل عن السبب.

من قصة صالحة إلى درس إداري أكبر

ما يجعل قصة الأستاذة صالحة جديرة بالتأمل ليس فقط أنها قامت بمجهود إضافي.

الأهم أنها تذكرنا بفكرة إدارية أساسية:

المسؤولية الحقيقية تظهر عندما يصبح نجاح المكان مهمًا بالنسبة إليك.

هناك من يذهب إلى عمله لأداء المهام المطلوبة منه فقط.

وهناك من يشعر بأن جودة العمل الذي يقدمه تؤثر في الآخرين، ولذلك يصبح أكثر اهتمامًا بالتفاصيل، وأكثر استعدادًا للمبادرة، وأكثر حرصًا على حل المشكلات.

وهذا الشعور لا يعني تجاهل النظام أو تجاوز الصلاحيات.

بل يعني أن يتحول الموظف من مجرد منفذ للمهام إلى شريك في تحقيق النتيجة.

ماذا يمكن أن نتعلم من قصة الأستاذة صالحة؟

يمكن تلخيص الدروس الأساسية في خمس نقاط:

أولًا: المسؤولية ليست لقبًا.
يمكن أن تحمل منصبًا إداريًا دون أن تمارس القيادة الحقيقية، ويمكن لشخص آخر أن يؤثر في المكان لأنه يتحمل المسؤولية عندما يحتاجه.

ثانيًا: المبادرة تبدأ من الاهتمام.
عندما تهتم بنتيجة العمل، ستبحث عن طريقة لتحسينها بدل الاكتفاء بأداء الحد الأدنى.

ثالثًا: حل المشكلة أهم من البحث عن اللوم.
معرفة المسؤول عن الخطأ مهمة، لكن الأولوية في الأزمات يجب أن تكون إيقاف الضرر والوصول إلى الحل.

رابعًا: المسؤولية الفردية لا تغني عن النظام.
المبادرة الشخصية قد تحل موقفًا، لكن الإدارة الجيدة هي التي تمنع تكرار المشكلة.

خامسًا: القائد الحقيقي يُعرف في المواقف.
الأزمات تكشف طريقة التفكير أكثر مما تكشفه المسميات الوظيفية.

وفي النهاية.. ماذا تعني كلمة “مسؤول”؟

ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في القصة كلها.

أن تكون مسؤولًا لا يعني فقط أن يكون اسمك مكتوبًا على مكتب أو قرار أو بطاقة وظيفية.

المسؤولية تعني أن ترى ما يحتاج إلى إصلاح، وأن تتعامل معه بجدية، وأن تبحث عن الحل ضمن حدود صلاحياتك، وأن تتابع حتى تصل المشكلة إلى الشخص القادر على حلها.

فالموظف قد يسأل:

“ما المطلوب مني؟”

لكن القائد يسأل:

“ما الذي يحتاجه المكان مني؟”

الأولى تصنع شخصًا يؤدي وظيفته.

أما الثانية، فقد تصنع قائدًا حقيقيًا.

وربما لهذا تبدو قصة الأستاذة صالحة عبد الفضيل لافتة بهذا الشكل.

ليس فقط لأن اسمها يحمل معنى جميلًا، وإنما لأن موقفها جعل الاسم يتحول إلى فعل.

فالمسؤولية في النهاية ليست منصبًا تجلس فيه… بل موقفًا تختاره.

شارك هذا الموضوع

إرسال التعليق