Post-Influencer Marketing.. ماذا يأتي بعد عصر المؤثرين بالشكل التقليدي؟
Post-Influencer Marketing.. ماذا يأتي بعد عصر المؤثرين بالشكل التقليدي؟

لسنوات، كان السؤال الأساسي في التسويق عبر المؤثرين بسيطًا: مين المؤثر اللي عنده أكبر عدد من المتابعين؟
كلما زاد عدد المتابعين، بدا الوصول إلى الجمهور أكبر، وأصبحت الصفقة التسويقية أكثر جاذبية للعلامة التجارية. لكن هذا النموذج لم يعد يشرح وحده كيف يتشكل التأثير اليوم.
فالمشهد الرقمي أصبح أكثر ازدحامًا، والمحتوى أكثر وفرة، والجمهور أكثر قدرة على التمييز بين المحتوى الذي يقدم قيمة حقيقية والمحتوى الذي يبدو مجرد إعلان. وفي الوقت نفسه، لم يتراجع اقتصاد صناع المحتوى؛ بل على العكس، تشير بيانات Interactive Advertising Bureau (IAB) إلى أن الإنفاق الإعلاني الأمريكي على اقتصاد صناع المحتوى وصل إلى نحو 37 مليار دولار في 2025، وأصبح الـCreator Advertising قناة إعلامية أساسية للعلامات التجارية.
إذن، هل انتهى عصر المؤثرين؟ ليس بالمعنى الحرفي.
الذي يتغير هو شكل التأثير نفسه.
وهنا يظهر مفهوم Post-Influencer Marketing؛ أي المرحلة التي لا تختفي فيها الشخصيات المؤثرة، لكن تتغير فيها طريقة اختيارها، والتعاون معها، وقياس تأثيرها، بل وتتوسع دائرة التأثير لتشمل صناع المحتوى والعملاء والخبراء والمجتمعات الرقمية.
ما هو Post-Influencer Marketing؟
لا يشير Post-Influencer Marketing إلى نموذج تسويقي يلغي المؤثرين، ولا إلى نهاية Influencer Marketing.
الأدق أنه يصف المرحلة التي تتجاوز فيها العلامات التجارية النموذج التقليدي القائم على شراء الوصول من خلال شخصية مشهورة، إلى بناء منظومة أوسع من التأثير والثقة والمحتوى والمجتمع.
في النموذج التقليدي قد تبدو العملية هكذا:
علامة تجارية → مؤثر → منشور إعلاني → وصول ومشاهدات.
أما النموذج الذي يتشكل حاليًا فيقترب أكثر من:
علامة تجارية → صناع محتوى + عملاء + خبراء + مجتمع → محتوى مستمر → ثقة → تفاعل → نتائج قابلة للقياس.
وهذا التحول لا يعني أن عدد المتابعين أصبح بلا قيمة، لكنه يعني أن الرقم وحده لم يعد كافيًا لاتخاذ القرار.
ففي دراسة IAB لعام 2025، ذكرت العلامات التجارية أن سمعة صانع المحتوى وملاءمة جمهوره من أهم معايير الاختيار؛ حيث أشار 58% إلى سمعة المبدع و56% إلى توافق الجمهور كمعايير رئيسية.
لماذا لم يعد عدد المتابعين هو المعيار الأهم؟
قد يمتلك شخص ما ملايين المتابعين، لكنه لا يمتلك بالضرورة الجمهور المناسب لمنتج معين.
وفي المقابل، قد يمتلك صانع محتوى متخصص عددًا أقل بكثير من المتابعين، لكن جمهوره يهتم تحديدًا بالمجال الذي تعمل فيه العلامة التجارية.
وهنا تظهر أهمية Audience Fit. فالعلامة التجارية التي تبيع معدات رياضية، على سبيل المثال، قد تستفيد من صانع محتوى متخصص في اللياقة والتمارين أكثر من استفادتها من شخصية عامة يتابعها ملايين الأشخاص لكنهم لا يهتمون بالرياضة.
وتدعم الأبحاث الأكاديمية هذا الاتجاه؛ فقد أظهرت مراجعة تحليلية منشورة في Journal of the Academy of Marketing Science أن فعالية التسويق عبر المؤثرين تتأثر بعدة عوامل، وأن فهم الظروف التي تجعل المؤثر فعالًا يظل من التحديات الأساسية أمام المسوقين.
لذلك، يتحول السؤال من: «كم شخصًا يتابع هذا المؤثر؟»
إلى: «هل يستطيع هذا الشخص التأثير في الجمهور الذي أريد الوصول إليه؟»
من Influencer إلى Creator: لماذا يتغير الدور؟
من أهم التحولات في مرحلة Post-Influencer Marketing الانتقال من النظر إلى المؤثر باعتباره قناة توزيع إلى النظر إلى صانع المحتوى باعتباره شريكًا إبداعيًا.
المؤثر التقليدي قد يحصل على Brief جاهز، وينفذ الرسالة المطلوبة، ثم تنتهي العلاقة بانتهاء الحملة. أما في النموذج الجديد، فقد يشارك صانع المحتوى في تطوير الفكرة نفسها، وطريقة تقديم المنتج، وصناعة المحتوى، وأحيانًا في اختبار المنتج وتقديم ملاحظاته.
وهذا الاتجاه تؤكده WARC في تحليلها لعام 2026؛ إذ تشير إلى أن الحملات الأقوى تكون عندما يشارك صناع المحتوى في تشكيل فكرة العلامة التجارية نفسها بدل الاقتصار على تنفيذها. كما أظهر استطلاع HubSpot لأكثر من 300 صانع محتوى أن 45% من المشاركين يريدون قدرًا كبيرًا أو كاملًا من الحرية الإبداعية، بينما يفضل 6% فقط تنفيذ رؤية العلامة التجارية حرفيًا.
وهنا تصبح العلاقة أكثر شبهًا بالشراكة، وأقل شبهًا بشراء مساحة إعلانية.
من الجمهور إلى المجتمع: التأثير يصبح أكثر عمقًا
هناك فرق بين أن يكون لديك Audience وأن يكون لديك Community.
الجمهور قد يشاهد الفيديو ويمرره. أما المجتمع فيشارك، ويسأل، ويناقش، ويقارن، ويعود مرة أخرى.
وهذا يجعل المجتمعات الرقمية عنصرًا مهمًا في المرحلة التالية من التسويق عبر المؤثرين.
فبدل أن تبحث العلامة التجارية عن شخص واحد يتحدث عنها أمام جمهور ضخم، يمكنها بناء شبكة من العلاقات مع مجموعات أصغر وأكثر تخصصًا، بحيث يصبح الحديث عن العلامة التجارية جزءًا من الحوار داخل المجتمع. وهذا يفسر أيضًا لماذا أصبحت الشراكات طويلة المدى أكثر أهمية.
فبحسب بيانات HubSpot، يحتاج معظم صناع المحتوى إلى تجربة العلاقة مع العلامة التجارية عبر أكثر من تعاون قبل الانتقال إلى شراكة طويلة المدى، بينما يشير التقرير إلى أن القيمة لا تتعلق فقط بالمقابل المالي، وإنما أيضًا بالتوافق والقيمة التي يحصل عليها الطرفان من العلاقة.
UGC.. عندما يصبح العميل جزءًا من صناعة التأثير
إذا كان Influencer Marketing يجعل شخصًا مؤثرًا يتحدث عن العلامة التجارية، فإن User-Generated Content – UGC يجعل العملاء أنفسهم جزءًا من قصة العلامة.
قد يكون المحتوى عبارة عن:
- تجربة حقيقية للمنتج.
- مراجعة.
- فيديو قصير.
- صورة بعد الاستخدام.
- إجابة عن سؤال شائع.
- مقارنة بين منتجين.
- تجربة خدمة ومشاركة تفاصيلها.
قيمة هذا النوع من المحتوى لا تأتي فقط من كونه أقل تكلفة من إنتاج بعض الحملات التقليدية، بل من أنه يقدم المنتج من زاوية المستخدم.
ولهذا أصبحت برامج UGC والمحتوى المرتبط بالعمولة جزءًا من منظومة Creator Marketing الأوسع، بينما تشير بيانات Later إلى اتجاه العلامات التجارية نحو برامج أكثر استمرارية بدل الحملات المنفصلة.
لكن هنا توجد نقطة مهمة: ليس كل UGC موثوقًا تلقائيًا. كلما أصبح المحتوى جزءًا من التسويق، زادت أهمية الشفافية.
الثقة والشفافية تصبحان جزءًا من الاستراتيجية
كلما زاد اعتماد العلامات التجارية على الأشخاص في تقديم توصياتها، أصبح من الضروري أن يعرف الجمهور طبيعة العلاقة بين الطرفين.
وتؤكد Federal Trade Commission (FTC) أن المؤثر يجب أن يكشف بوضوح عن وجود علاقة مادية مع العلامة التجارية، مثل الحصول على مقابل مالي أو منتجات مجانية أو أي منفعة أخرى عندما تكون هذه العلاقة مؤثرة في تقييم الجمهور للتوصية. كما تشدد إرشاداتها على أن الإفصاح يجب أن يكون واضحًا وسهل الملاحظة والفهم.
وهذا مهم لأن Post-Influencer Marketing لا يقوم على فكرة «جعل الإعلان يبدو وكأنه ليس إعلانًا».
بل على بناء علاقة يكون فيها الجمهور عارفًا بالسياق وقادرًا على تقييم الرسالة.
وتدعم الأبحاث الأكاديمية أهمية هذه النقطة؛ فمراجعة تحليلية منشورة في 2025 حول المؤثرين الافتراضيين وجدت أن الأصالة والشفافية والإفصاح عوامل مرتبطة بتكوين الثقة والتفاعل، مع اختلاف الاستجابات حسب السياق الثقافي والمنصة.
الذكاء الاصطناعي يغير معنى «المؤثر» نفسه
ربما يكون أحد أكثر التحولات إثارة في المرحلة المقبلة هو ظهور Virtual Influencers وصناع المحتوى المدعومين بالذكاء الاصطناعي. فاليوم لم يعد من الضروري أن يكون الشخص الذي يظهر أمام الجمهور إنسانًا حقيقيًا أصلًا.
لكن ظهور هذه الشخصيات يطرح سؤالًا جديدًا:
إذا كان التأثير قائمًا على الثقة، فهل يمكن لشخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي أن تحصل على الثقة نفسها؟
الإجابة ليست بسيطة.
دراسة منشورة في Discover Sustainability عام 2025، تناولت مستخدمي TikTok في مصر والأردن، قارنت بين المؤثرين البشر والمؤثرين المدعومين بالذكاء الاصطناعي، ووجدت أن كلا النوعين يمكن أن يبني علاقات شبه اجتماعية وإدراكات للمصداقية، لكن المسارات التي يعتمد عليها كل منهما قد تختلف؛ إذ ارتبط المؤثرون البشر أكثر بالسرد والارتباط الثقافي، بينما استفادت الشخصيات الاصطناعية من جوانب مثل الاتساق والتخصيص.
وفي الوقت نفسه، تشير دراسة أخرى منشورة في Journal of Business Research عام 2026 إلى مفارقة مهمة: يمكن لبعض المؤثرين الافتراضيين أن يُنظر إليهم باعتبارهم موثوقين رغم وجود مشكلة واضحة تتعلق بأصالتهم البشرية.
وهذا يعني أن المرحلة القادمة لن تكون فقط عن «من لديه متابعون أكثر؟»، بل أيضًا عن:
من هو مصدر الرسالة؟ وكيف بُنيت الثقة فيه؟ وهل يعرف الجمهور طبيعة هذا المصدر؟
من الحملات المؤقتة إلى Always-On Creator Marketing
واحد من أهم التحولات التي تكشفها البيانات الحالية هو انتقال Creator Marketing من الحملات المنفصلة إلى Always-On Programs.
في أبريل 2026، ذكرت IAB أن الإنفاق على Creator Advertising بلغ 37 مليار دولار في 2025، وأن العلامات التجارية أصبحت تدمج صناع المحتوى داخل استراتيجيات إعلامية طويلة المدى وعمليات تشغيلية، بل وفي بعض الحالات داخل تطوير المنتجات نفسه. كما توقعت وصول الإنفاق إلى 44 مليار دولار في 2026.
وهذا تغير مهم جدًا.
فبدل: «لدينا منتج جديد، نحتاج مؤثرًا للحملة.»
يمكن أن يصبح التفكير: «لدينا شبكة من صناع المحتوى الذين يفهمون علامتنا، ونعمل معهم باستمرار.»
وهنا يصبح بناء العلاقة جزءًا من استراتيجية العلامة التجارية، وليس مجرد خطوة تنفيذية داخل حملة.
المشكلة الجديدة: كيف نقيس التأثير؟
مع زيادة الاستثمار، تظهر مشكلة أخرى: المشاهدات وحدها لا تكفي.
IAB أشارت في تقريرها لعام 2026 إلى أن صناعة Creator Marketing ما زالت تواجه مشكلات في معايير القياس، وتجزؤ البيانات، وربط النتائج بعائد استثماري واضح.
ولهذا بدأت العلامات التجارية تنظر إلى مؤشرات أوسع، مثل:
- الوصول إلى الجمهور المستهدف.
- التفاعل الحقيقي.
- الزيارات.
- البحث عن العلامة التجارية.
- التحويلات والمبيعات.
- تكلفة اكتساب العميل.
- استخدام المحتوى عبر قنوات أخرى.
- العائد على الاستثمار.
وبالتالي، فإن السؤال لم يعد: «كم مشاهدة حصل عليها الفيديو؟»
بل: «ماذا حدث بعد المشاهدة؟»
ماذا يأتي بعد عصر المؤثرين التقليدي؟
إذا جمعنا هذه التحولات معًا، سنجد أن Post-Influencer Marketing لا يقدم بديلًا واحدًا للمؤثر. بل يقدم منظومة تأثير أوسع.
يمكن أن تضم هذه المنظومة:
صناع المحتوى الذين يمتلكون مهارات إبداعية وجمهورًا متخصصًا.
العملاء الذين يصنعون محتوى حقيقيًا حول تجاربهم.
الخبراء الذين يضيفون المعرفة والمصداقية.
المجتمعات الرقمية التي تصنع النقاش حول العلامة التجارية.
المؤثرين الافتراضيين الذين يفتحون بابًا جديدًا للتجارب الرقمية.
الذكاء الاصطناعي الذي يساعد في اكتشاف صناع المحتوى، وتحليل البيانات، وتخصيص المحتوى، وتحسين العمليات.
لكن كل هذه العناصر تحتاج إلى شيء واحد حتى تعمل: الثقة.
هل انتهى عصر المؤثرين؟
ليس بعد. والأدلة الحالية لا تدعم فكرة أن Influencer Marketing يختفي؛ بل تشير إلى أن Creator Advertising أصبح قناة أساسية ويتوسع استثماره.
لكن المؤثر بالشكل التقليدي، الذي تعتمد قيمته الأساسية على عدد المتابعين ومنشور واحد مدفوع، لم يعد يمثل الصورة الكاملة.
المرحلة الجديدة تنقل التسويق من شراء الانتباه إلى بناء العلاقة.
من مؤثر واحد إلى شبكة من الأصوات.
من حملة قصيرة إلى شراكات مستمرة.
من عدد المتابعين إلى ملاءمة الجمهور.
ومن المشاهدات وحدها إلى نتائج قابلة للقياس.
لذلك، قد يكون السؤال الحقيقي في عصر Post-Influencer Marketing ليس: «مين المؤثر اللي هيتكلم عن علامتي؟»
بل: «مين الأشخاص والمجتمعات اللي عندهم سبب حقيقي يخليهم يتحدثوا عنها ويثق جمهورهم في كلامهم؟»
وهنا تحديدًا يبدأ الشكل الجديد للتأثير.
شارك هذا الموضوع













إرسال التعليق