الإيجار القديم… أزمة معلقة بين حق المالك وأمان المستأجر
لماذا لا يزال الإيجار القديم حديث الساعة؟

رغم مرور عقود على بدء تطبيق قانون الإيجار القديم، إلا أن الجدل حوله لا يزال مشتعلاً حتى اليوم. فبمجرد أن يُذكر الموضوع، تتباين الآراء بشدة، إذ يرى البعض أنه قانون فقد صلاحيته منذ زمن، بينما يتمسك آخرون به باعتباره “درع الأمان الأخير” في وجه الغلاء والتشرد.
لكن، وبين هذا وذاك، تظل الحقيقة المؤلمة أن الأزمة لا تزال معلقة بلا حل جذري يرضي جميع الأطراف.
ما هو قانون الإيجار القديم؟ ولماذا أُقرّ في الأساس؟
بدايةً، ولفهم جذور الأزمة، يجب أن نعود إلى الوراء. فقد صدر قانون الإيجار القديم في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية استثنائية، حيث هدفت الدولة إلى حماية المواطنين من استغلال الملاك، خصوصًا في ظل أزمة سكن حادة بعد الحروب والهجرة الداخلية.
وبالتالي، تم تثبيت قيمة الإيجار عند مستوى منخفض، مع إعطاء المستأجر وعائلته الحق في البقاء في الشقة مدى الحياة، بل وتوريثها للأبناء أحيانًا. هذا، بطبيعة الحال، كان منطقيًا وقتها… لكن الأمور تغيرت كثيرًا.
من ناحية المالك: عقار بملايين وإيجار لا يكفي ثمن قهوة!
من جهة، يعاني الكثير من الملاك حاليًا من التبعات الاقتصادية لهذا القانون. إذ يمتلك بعضهم عقارات في مناطق راقية، قد تصل قيمتها السوقية إلى ملايين الجنيهات، بينما يحصلون على إيجار شهري لا يتجاوز عشرات الجنيهات، وأحيانًا أقل من ذلك!
علاوة على ذلك، فهم مُلزمون بصيانة العقار من مالهم الخاص، وهو ما يُعد عبئًا كبيرًا، خاصة إذا كان العقار قديمًا ومتهالكًا. ولذلك، يشعر المالك في كثير من الحالات بأنه “مالك بلا سلطة” و”صاحب حق مسلوب”.
ومن جهة المستأجر: أين نذهب؟ ومَن يتحمل الغلاء؟
في المقابل، يرد المستأجرون بأن هذا السكن هو بيتهم الذي عاشوا فيه عمرًا، ودفعوا مقابله التزامات طويلة، سواء مقدم الإيجار أو صيانة على مدار السنوات.
وفوق كل ذلك، يشيرون إلى أن أسعار الإيجارات الجديدة أصبحت خيالية، وبالتالي فإن الخروج من الشقة يعني ببساطة الطرد من المجتمع، أو الانزلاق إلى السكن في أماكن غير آدمية.
وهنا تتجلى الأزمة الإنسانية؛ فالقانون – في نظرهم – ليس مجرد أرقام، بل هو الحماية الأخيرة أمام تقلبات السوق وارتفاع الأسعار.
هل من حل عادل للطرفين؟
بالتأكيد، من غير المنطقي الاستمرار في وضع قانوني يضر بمصالح طرف على حساب الآخر. لكن في الوقت نفسه، لا يجب أن يكون الحل قاسيًا على من عاش عمره في بيت اعتبره مأواه الآمن.
لذلك، اقترح البعض حلولًا وسط، مثل:
تدريج رفع الإيجار على مدار عدة سنوات، حتى لا يُفاجأ المستأجر بتكلفة ضخمة فجأة.
منح فترة سماح قبل تعديل الوضع القانوني.
تحديد حالات التوريث بوضوح لتفادي استغلال القانون.
إنشاء صندوق دعم للأسر المتضررة لتخفيف العبء الاجتماعي.
وبينما بدأت الحكومة في مناقشة قوانين تخص الإيجارات غير السكنية، إلا أن الحل الشامل لم يصل بعد إلى العقارات السكنية، ما يترك الآلاف في انتظار مصير غير واضح.
حان الوقت لاتخاذ قرار شجاع
في النهاية، لا بد من الاعتراف أن الإيجار القديم لم يعد مجرد قانون منسي، بل أصبح قضية مجتمعية ملحّة، تتطلب تدخلًا عاجلًا وحكيمًا. وبين حق المالك وأمان المستأجر، هناك مساحة كبيرة يمكن أن تُبنى فيها حلول عادلة ومتزنة.
إن تجاهل الأزمة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر والانقسام. أما البدء في نقاش وطني حقيقي حول هذا الملف، فهو الخطوة الأولى نحو العدالة الاجتماعية التي ترضي الجميع.
شارك هذا الموضوع
اكتشاف المزيد من معاصرون اكاديمي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.














اترك رد